الجاحظ
86
المحاسن والأضداد
علي سبيل حتى يدنو الشخص فلعله صاحبي ، فبينما هما كذلك أقبل الطائي فقال النعمان : واللّه ما رأيت أكرم منكما وما أدري أيكما أكرم أهذا الذي ضمنك وهو الموت أم أنت وقد رجعت إلى القتل ؟ واللّه لا أكون الأم الثلاثة ، فأطلقه وأمر برفع يوم بؤسه . وأنشد الطائي : ولقد دعتني للخلاف عشيرتي * فأبيت عند تجهم الأقوال إني امرؤ مني الوفاء سجية * وفعال كل مهذب بذّال فقال النعمان : ما حملك على الوفاء ؟ قال : ديني . قال : وما دينك ؟ قال : النصرانية . قال : اعرضها عليّ ، فعرضها عليه ، فتنصر النعمان « 1 » . وضده ، قيل : كتب صاحب بريد همذان إلى المأمون وهو بخراسان يعلمه إن كاتب صاحب البريد المعزول اخبره أن صاحبه وصاحب الخراج كانا تواطأ أعلى اخراج مائتي ألف درهم من بيت المال واقتسماها بينهما ، فوضع المأمون ، إنا ترى قبول السعاية شرا من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجارة وليس من دل على شيء كمن قبله وأجازه ، فأنف الساعي عند ذلك وقال : يا أمير المؤمنين رضي اللّه عنك . المعذرة فإن الساعي وإن كان في سعايته صادقا لقد كان في صدقه لئيما إذ لم يحفظ الحرمة ولم يف لصاحبه . قال : ودخل رجل على سليمان بن عبد الملك فقال : يا أمير المؤمنين ، عندي نصيحة . قال : وما نصيحتك هذه ؟ قال : فلان كان عاملا ليزيد بن معاوية وعبد الملك والوليد ، فخانهم فيما تولاه ثم اقتطع أموالا كثيرة جليلة فمر باستخراجها منه . قال : أنت شر منه وأخون حيث أطلقت على أمره وأظهرته ولولا أني انفر النصاح لعاقبتك ، ولكن اختر مني خصلة من ثلاث . قال : اعرضهن يا أمير المؤمنين . قال : إن شئت فتشنا عما ذكرت ، فإن كنت صادقا مقتناك ، وإن كنت كاذبا عاقبناك وإن استقلت أقلناك ، فاستقاله الرجل .
--> ( 1 ) إن خبر تنصر النعمان يبعث على الشك . فالمرء لا يقتنع أن سبب تنصر النعمان وفاء هذا الرجل النصراني .